الشيخ محمد هادي معرفة
27
تلخيص التمهيد
نعم ، جاءت فكرة إنكار الوحي ، نتيجةً للنظرة المادّية البحتة إلى هذا الإنسان ، وهي نظرة قاصرة بشأن الإنسان ، سادت أوروبا في عصر نشوء الفكرة الماديّة عن الحياة ، والَّتي جعلت تتقدَّم وتتوسَّع كلَّما تقدَّمت العلوم الصناعية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، وأخذت المقاييس المعنويَّة في الحياة تتدهور تراجعاً إلى الوراء ، وكادت الموجة تطبّق العالم أجمع ، لولا أن انتهضت الفكرة الروحية في أمريكا ومنها سرت إلى أوروبا كلّها ، فجعلت مسألة الوحي تحيى من جديد . قال الأستاذ وجدي : كان الغربيّون إلى القرن السادس عشر كجميع الأمم المتديّنة يقولون بالوحي ، وكانت كتبهم مشحونه بأخبار الأنبياء ، فلمَّا جاء العلم الجديد بشكوكه وماديّاته ذهبت الفلسفة الغربية إلى أنَّ مسألة الوحي هي من بقايا الخرافات القديمة ، وتغالت حتّى أنكرت الخالق والروح معاً ، وعلَّلت ما ورد عن الوحي في الكتب القديمة بأنَّه إمّا اختلاق من المتنبّئة أنفسهم لجذب الناس إليهم وتسخيرهم لمشيئتهم ، وإمّا هذيان مرضي يعتري بعض العصبيّين ، فيخيَّل إليهم يرون أشباحاً تكلّمهم وهم لا يرون في الواقع شيئاً . راج هذا التعليل في العالم الغربي ، حتّى صار مذهب العلم الرسمي . فلمّا ظهرت آية الروح في أمريكا سنة 1846 م وسرت منها إلى أوروبا كلّها ، وأثبت الناس بدليل محسوس وجود عالم روحاني آهل بالعقول الكبيرة والأفكار الثاقبة ، تغيّر وجه النظر في المسائل الروحانية ، وحييت مسألة الوحي بعد أن كانت في عداد الأضاليل القديمة ، وأعاد العلماء البحث فيها على قاعدة العلم التجريبيّ المقرَّر ، لا على أسلوب التقليد الديني ، ولا من طريق الضرب في مهامّ الخيالات ، فتأدَّوا إلى نتائج ، وإن كانت غير ما قرّره علماء الدين الإسلامي ، إلّاأنَّها خطوة كبيرة في سبيل إثبات أمر عظيم كان قد أحيل إلى عالم الأمور الخرافية « 1 » .
--> ( 1 ) دائرة معارف القرن العشرين لمحمّد فريد وجدي : ج 10 ص 713 .